ابو القاسم عبد الكريم القشيري

317

لطائف الإشارات

هنالك تنسكب العبرات ، وتشق الجيوب ، وتلطم الخدود ، وتعطّل العشار ، وتخرّب المنازل ، وتسودّ الأبواب ، وينوح النائح : وأتى الرسول فأخ * بر أنهم رحلوا قريبا رجعوا إلى أوطانهم * فجرى لهم دمعي صبيبا وتركن نارا في الضلوع * وزر عن في رأسي مشيبا قوله جل ذكره : إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ بلاء كلّ واحد على ما يليق بحاله ؛ فمن كان بلاؤه بحديث النّفس أو ببقائه عن هواه ، وبحرمانه لكرائمه في عقباه فاسم البلاء في صفته مجاز ، وإنما هذا بلاء العوام . ولكنّ بلاء الكرام غير هذا فهو كما قيل : من لم يبت - والحبّ ملء فؤاده * لم يدر كيف تفتّت الأكباد قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 93 ] وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 93 ) ليست واقعة القوم بخسران يصيبهم في أموالهم ، أو من جهة تقصيرهم في أعمالهم ولما ضيّعوه من أحوالهم . . فهذه - لعمري - وجوه وأسباب ، ولكنّ سرّ القصة كما قيل : أنا صب لمن هويت ولكن * ما احتيالى بسوء رأى الموالي ؟ قوله : « وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً » : لو شاء اللّه سعادتهم لرحمهم ، وعن المعاصي عصمهم ، وبدوام الذكر - بدل الغفلة - ألهمهم . . ولكن سبقت القسمة في ذلك ، وما أحسن ما قالوا : شكا إليك ما وجد * من خانه فيك الجلد حيران . . لو شئت اهتدى * ظمآن . . . نو شئت ورد